ابن كثير

376

السيرة النبوية

ثم قال تعالى : " وكذلك جعلناكم أمة وسطا " أي خيارا " لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " أي وكما اخترنا لكم أفضل الجهات في صلاتكم وهديناكم إلى قبلة أبيكم إبراهيم والد الأنبياء ، بعد التي كان يصلى بها موسى فمن قبله من المرسلين ، كذلك جعلناكم خيار الأمم وخلاصة العالم وأشرف الطوائف وأكرم التالد والطارف ، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الناس لاجماعهم عليكم وإشارتهم يومئذ بالفضيلة إليكم . كما ثبت في صحيح البخاري ، عن أبي سعيد مرفوعا ، من استشهاد نوح بهذه الأمة يوم القيامة ، وإذا استشهد بهم نوح مع تقدم زمانه فمن بعده بطريق الأولى والأحرى . ثم قال تعالى مبينا حكمته في حلول نقمته بمن شك وارتاب بهذه الواقعة ، وحلول نعمته على من صدق وتابع هذه الكائنة ، فقال : " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول " . قال ابن عباس : إلا لنرى من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه . " وإن كانت لكبيرة " أي وإن كانت هذه الكائنة لعظيمة الموقع كبيرة المحل شديدة الامر ، إلا على الذي هدى الله ، أي فهم مؤمنون بها مصدقون لها ، لا يشكون ولا يرتابون ، بل يرضون ويؤمنون ويعملون ، لأنهم عبيد للحاكم العظيم ، القادر المقتدر الحليم الخبير ، اللطيف العليم . وقوله : " وما كان الله ليضيع إيمانكم " أي بشرعته استقبال بيت المقدس والصلاة إليه : " إن الله بالناس لرءوف رحيم " . والأحاديث والآثار في هذه كثيرة جدا يطول استقصاؤها ، وذلك مبسوط في التفسير ، وسنزيد بذلك بيانا في كتابنا " الاحكام الكبير " .